ابن الأثير
80
أسد الغابة ( دار الفكر )
فولدت له جارية ، وهلك عنها عتيق ، فتزوّجها أبو هالة بن مالك ، أحد بنى عمرو بن تميم ، ثم أحد بنى أسيد . قال الزبير : وبعض الناس يقول : أبو هالة قبل عتيق . وتزوج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم خديجة - رضى اللَّه عنها - قبل الوحي وعمره حينئذ خمس وعشرون سنة وقيل : إحدى وعشرون سنة ، زوّجها منه عمها عمرو بن أسد . ولما خطبها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قال عمها : محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب يخطب خديجة بنت خويلد ، هذا الفحل لا يقدع [ ( 1 ) ] أنفه . وكان عمرها حينئذ أربعين سنة وأقامت معه أربعا وعشرين سنة . وكان سبب تزوجها برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ما أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس ، عن ابن إسحاق قال : كانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها تضاربهم [ ( 2 ) ] إياه بشيء تجعله لهم منه . فلما بلغها عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجرا ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار ، مع غلام لها يقال له : ميسرة ، فقبله منها وخرج في مالها ومعه غلامها ميسرة ، حتى قدم الشام فنزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب ، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال : من هذا الرجل الّذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ قال : هذا رجل من قريش من أهل الحرم . فقال له الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط . إلا نبي . ثم باع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم سلعته التي خرج بها ، واشترى ما أراد ، ثم أقبل قافلا إلى مكة ، فلما قدم على خديجة بمالها باعت ما جاء به ، فأضعف أو قريبا ، وحدّثها ميسرة عن قول الراهب . وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة مع ما أراد اللَّه بها من كرامتها . فلما أخبرها ميسرة بعثت إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فقالت له : « إني قد رغبت فيك لقرابتك منى ، وشرفك في قومك ، وأمانتك عندهم ، وحسن خلقك ، وصدق حديثك » ثم عرضت عليه نفسها ، وكانت أوسط نساء قريش نسبا ، وأعظمهم شرفا ، وأكثرهم مالا . فلما قالت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ما قالت ، ذكر ذلك لأعمامه ، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد ، فخطبها إليه فتزوّجها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، فولدت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم
--> [ ( 1 ) ] يقال : قدعت الفحل ، وهو أن يكون غير كريم ، فإذا أراد ركوب الناقة الكريمة ضرب أنفه بالرمح أو غيره حتى يرتدع وينكف . [ ( 2 ) ] المضاربة : أن تعطى مالا لغيرك يتجر فيه ، فيكون له سهم معلوم من الربح .